التفسير المقاصدي للقرآن

القرآن الكريم:

القرآن الكريم هو الكتاب الخالد لهذه الأمة، ومرشدها الأمين، وهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بن يديه ولا من خلفه، وهو المنهج القويم في حركة الأمة في كل وقت وحين، وله أهمية كبيرة في حياة الفرد والأسرة والمجتمع والأمة؛ فهو يعالج بناء هذا الإنسان نفسه، وبناء شخصيته وضميره وعقله وتفكيره، ويُشرع من التشريعات ما يحفظ كيان الأسرة التي تظللها السكينة وتحفها المودة والرحمة. ويعالج بناء المجتمع الإنساني الذي يسمح له بأن يحسن استخدام الطاقات الكامنة في المجتمع، وينشد الأمة القوية المتماسكة الشاهدة على العالمين.

المسلم لا يستغني عن القرآن؛ فبه حياة قلبه ونور بصره وهداية سبيله، وحياة المسلم مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالقرآن الكريم، فمنه يستمد عقيدته، وبه يعرف عبادته وما يرضي ربه، وفيه ما يحتاج إليه من التوجيهات والإرشادات في الأخلاق والعبادات والمعاملات.

مفهوم التفسير:

إدراكاً لأهمية ودور القرآن الكريم في حياة الإنسان المسلم أولى العلماء والمفسرون القرآن الكريم بالبيان والتفسير عبر مناهج وطرق عدة هي أنواع التفسير، وهي أربعة:

  • التفسير التحليلي: يتولَّى فيه المفسِّرون بيانَ معنى الألفاظ في الآية، وبلاغةَ التركيب والنظم، وأسبابَ النزول، واختلافَ المفسِّرين في الآية، ويَذكرُ حكم الآية وأحكامَها، وقد يَزيدُ بتفصيل أقوال العلماء في مسألة فقهية أو نحوية أو بلاغية، ويهتمُّ بذكر الروابط بين الآيات والمناسبات بين السور ونحو ذلك.
  • التفسيرُ الإجمالي: بيان الآيات القرآنية بالتعرض لمعانيها إجمالًا، مع بيانِ غريب الألفاظ والربطِ بين المعاني في الآيات، متوخيًا في عرضها ليَسْهُلَ فهمُها وتَتَّضِحَ مقاصدها، وقد يضيف ما تدعو الضرورة إليه؛ من سبب نزول أو قصَّة أو حديثٍ، ونحو ذلك.
  • التفسير المقارَن: بيانُ الآيات القرآنية باستعراض ما كتَبه المفسِّرون في الآية أو مجموعة الآيات المترابطة، والموازنة بين آرائهم، وعرض استدلالاتهم، وتوجيهِ أدلَّته، وبيان الراجح، وحشد الأدلَّة، وغير ذلك.
  • التفسير الموضوعي: هو علم يتناول القضايا حسَب المقاصد القرآنيَّة من خلال سورة أو أكثر.

التفسير المقاصدي:

التفسير المقاصدي للقرآن هو منهج اجتهادي من مناهج التفسير، يركز على الكشف عن المعاني والغايات التي يدور حولها القرآن الكريم كلياً وجزئياً، وبيان كيفية الإفادة منها في تحقيق مصالح العباد. ويبحث في الغايات الكلية والعامة للقرآن الكريم، من توحيد الله وعبادته، والهداية الدينية والدنيوية للعباد، والتوحيد والتزكية والعمران وبث الرحمة بين العباد، وإقامة الحق والعدل. يركز هذا المنهج من التفسير حول مجال من المجالات، أو مقاصد خاصة بسورةٍ من السور، أو حتى مقاصد تفصيلية لألفاظ القرآن المجيد.

التفسير المقاصدي يحتاج إلى قراءة متأنية للسورة والتدبر العميق فيها، وتجميع كل أطراف موضوعاتها، والنظر في أهداف كل موضوع، ثم في النهاية التأمل لاستخلاص المقصد الأكبر من السورة، أو كما سماها شيخنا الكريم طه العلواني “عمود السورة”.

وهناك ارتباط وثيق بين التفسير المقاصدي ومناهج التفسير الأخرى، حيث يبحث التفسير التفصيلي في معاني الألفاظ ومراميها والمقصودِ منها، وارتباطُه بالتفسير المقاصدي ظاهر. أما التفسيرُ الإجمالي فيبين معاني السورة إجمالًا، وهو مرتبط بالتفسير المقاصدي كذلك. والتفسير المقارَن يعرض أقوال المفسِّرين في الآية أو الجزء من الآية، ثم يُبَين مرجوحَها من راجحِها، وضعيفَها من قويِّها، ولن يتأسس ذلك إلا على أساس الفهم المقاصدي للآية أو لجزء منها. أما التفسير الموضوعي فيتناول موضوعَ السورة، أو موضوعًا يتتبعه في آيات القرآن جميعًا، والهدف منه هو الكشف عن مقاصد القرآن الكريم من موضوع السورة، أو موضوعٍ ما في القرآن المجيد.

وهكذا يتَّضح لنا أن الفهمَ المقاصديَّ للقرآن الكريم أو لسوَرِه أو موضوعاته لا غِنى لأي نوع من أنواع التفسير عنه، ولا ينفكُّ عنه المفسِّر أبدًا في أي منهج يتبعه للتعامل مع القرآن الكريم؛ وهذا يشير إلى محوريَّة المقاصد وضروريتها وأوَّليتها لدى المفسِّر حين ينظُر في القرآن الكريم بمناهج تفسيره جميعًا.

المعهد ودوره في منهجية القرآن المعرفية والمقاصد الشرعية:

يولي المعهد العالمي للفكر الإسلامي منذ نشأته أهمية كبيرة للدراسات القرآنية والمقاصدية وكيفية التعامل مع القرآن الكريم ومنهجيته المعرفية وطرق ومناهج التفسير. ويعد المعهد من الرواد ومن أوائل المؤسسات التي تبنت وأولت اهتمام كبير لفكر “المقاصد الشرعية الكلية”. ونقدم هنا بعض جهود وفعاليات المعهد في نشر الفكر المقاصدي وارتباطه بالقرآن الكريم:

بدايةً من نشر الحوار والمدارسة الفكرية التي تمت مع الشيخ الداعية الكبير محمد الغزالي -رحمه الله – ونشر كتابه القيم “كيف نتعامل مع القرآن، 1991”. ثم ترجمة جهده المتميز حول هذا النوع من التفسير في كتابه: “نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم A Thematic Commentary on the Qur’an”، والذي قال في مقدِّمته عن التفسير الموضوعي للسورة: إنَّه “يتناول السورة كلَّها، يحاول رسم صورة شمسية لها، تتناول أولها وآخرها، وتتعرَّف على الروابط الخفية التي تشدُّها كلها، وتجعل أولَها تمهيدًا لآخرها، وآخرَها تصديقًا لأولها، إنَّني أختار من الآيات ما يبرز ملامح السورة، وأترك غيرها للقارئ يضمها إلى السياق المشابه؛ وذلك حتى لا يطول العرض ويتشتَّت”.

ونظم المعهد العديد من المؤتمرات والندوات والمحاضرات حول المقاصد ومنهجية القرآن المعرفية، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

  • ندوة منهجية القرآن المعرفية، أبو القاسم حاج حمد، القاهرة، 1992.
  • التعامل مع القرآن، محمد سليم العوا، القاهرة، 1994.
  • مقاصد الشريعة والتجديد في التفكير الفقهي، محمد سراج، القاهرة، 1994.
  • الدراسات القرآنية وحفريات المعرفة، القاهرة، 1999.
  • نظرات في مقاصد الشريعة، جمال الدين عطية، القاهرة، 2000.
  • دور السياق في النص القرآني، خلود العموش، عمان، 2004.
  • اعجاز القرآن الكريم: قراءة نقدية في المفهوم والمجالات، جمال أبو حسان، عمان، 2004.
  • دور القرآن الكريم في مواجهة التحديات المعاصرة، طه العلواني، القاهرة، 2005.
  • التجديد في علم التفسير، جمال أبو حسان، عمان، 2006.
  • الحداثة والنص القرآني، محمد ريان، عمان، 2006
  • مفهوم التزكية في القرآن، عبد الحميد أبو سليمان وجمال قطب، القاهرة، 2008.
  • الفكر المقاصدي ودوره في الفكر المنهجي، أحمد الريسوني، عمان، 2008.
  • مفهوم التشابه والتأويل في القرآن الكريم: قراءة معرفية منهجية، عدنان زرزور، عمان 2009.
  • العقل القرآني، معاذ سعيد حوى، عمان، 2010.
  • منهج التعامل مع القرآن الكريم، محمد الريان، عمان، 2011.
  • منهج القرآن في تشكيل العقل المسلم، محمد راتب النابلسي، عمان، 2012.
  • مؤتمر “الإمام ابن عاشور وإعادة تأسيس العقل الفقهي الإسلامي” تونس، 2014.

كما نشر المعهد العديد من الكتب والبحوث حول فقه المقاصد ومنهجية القرآن المعرفية، نذكر منها:

  • نظرية المعرفة بين القرآن والفلسفة، راجح الكردي، 1992.
  • المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، يوسف حامد العالم، 1993
  • نظرية المعرفة في القرآن وتضميناتها التربوية، أحمد الدغشي، 2002.
  • النص القرآني من الجملة إلى العالم، وليد منير، 2003.
  • نظرية المقاصد عند الإمام ابن عاشور، إسماعيل الحسني، 2005.
  • قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي، عبد الرحمن الكيلاني، 2005
  • فقه المقاصد: إناطة الإحكام الشرعية بمقاصدها، جاسر عودة، 2006.
  • نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، أحمد الريسوني، 2007.
  • مصالح الإنسان: مقاربة مقاصدية، عبد النور بزا، 2008
  • نحو تفعيل مقاصد الشريعة، جمال الدين عطية، 2008.
  • مقاصد الشريعة الإسلامية كفلسفة للتشريع الإسلامي، جاسر عودة، 2012.
  • الأسرة في مقاصد الشريعة، زينب العلواني، 2013
  • مقاصد الشريعة الإسلامية: مدخل عمراني، مازن موفق، 2014.

ولتعميم الفائدة من هذه المنهجية المعرفية القرآنية المقاصدية فقد ترجم المعهد أغلب هذه الكتب إلى اللغة الإنجليزية وإلى العديد من اللغات حتى تعم الاستفادة منها على مستوى العالم.

جهود رجالات المعهد:

أولى رجالات ومؤسسي المعهد جلَّ اهتمامهم حول حل قضية أزمة العقل المسلم، ووصفوها بأنها أزمة فكرية، ويعد الشيخ طه العلواني – رحمه الله – من المؤسسين الأوائل للمعهد، ومن المفكرين أصحاب المنهجية المعرفية، وقد كرس شيخنا الكريم حياته لمشروع القرآن والمقاصد القرآنية العليا واكتشاف منهجية القرآن المعرفية من المصدرين الأساسيين: القرآن المجيد، والكون، وذلك عبر منهجية الجمع بين القرآءتين، وكتب فيها العديد من المؤلفات والبحوث الهامة وحاضر كثيراً حول القرآن والمنهجية المعرفية والمقاصدية، ومن أهم ما قدم شيخنا الكريم في هذا المجال منهجيته حول مقاصد الشريعة ومقاصد القرآن العليا والتي لخصها في مقاصد ثلاثة: التوحيد، والتزكية، والعمران، وله – رحمه الله – العديد من المؤلفات حول هذه المنهجية المعرفية، نذكر منها:

  • نحو منهجية معرفية قرآنية: نحو بيان قواعد المنهج التوحيدي للمعرفة.
  • أفلا يتدبرون القرآن: معالم منهجية في التدبر والتدبير.
  • الجمع بين القرآتين.
  • حوار مع القرآن.
  • تطور المنهج المقاصدي عند المعاصرين.
  • مقاصد الشريعة.
  • محاضرة حول تفسير القرآن بالقرآن.

كذلك الدكتور إسماعيل الفاروقي – رحمه الله – فقد ألف موسوعته القيمة “أطلس الحضارة الإسلامية، وتضمنت العديد من الموضوعات حول القرآن الكريم، وقضايا التوحيد والتزكية والعمران، والتعامل مع الآخر من خلال رؤية منهجية قرآنية معرفية.

في نفس الإطار أبدع أستاذنا الدكتور عبد الحميد أبو سليمان في تناول هذه الأبعاد الفكرية والمنهجية ونشر “أزمة العقل المسلم” وعرض فيه غياب المسلمين عن المنهجية المعرفية والمقاصدية للقرآن الكريم. وحاول إعادة الأمة للقرآن من خلال محاضرته “القرآن وإعادة بناء الوعي للأمة”

الخلاصة:

ولازال المعهد العالمي للفكر الإسلامي يحمل رسالة وفكر ومنهجية القرآن المعرفية والمقاصد الشرعية الكلية من توحيد وتزكية وعمران، ومازال انتاجه متواصل فيه، فهي رسالة طويلة المدى، ومشروعه الفكري الممتد لخدمة قضايا أمتنا الإسلامية.