ليبيريا: التكامل المعرفي: آفاقٌ وتحديات

ليبيريا: التكامل المعرفي: آفاقٌ وتحديات

نظم المكتب الإقليمي لغرب أفريقيا التابع للمعهد العالمي للفكر الإسلامي ورشة عمل لمدة يومين حول تكامل المعرفة من 9 إلى 10 نوفمبر 2019. عقدت ورشة العمل تحت عنوان “التكامل المعرفي: آفاقٌ وتحديات” في فندق لا لاغون، بانسفيل سيتي، مونروفيا، ليبيريا. وحضرها حوالي 40 مشاركًا تم اختيارهم من المؤسسات الأكاديمية والجمعيات الطلابية من داخل ليبيريا والبلدان المجاورة مثل غينيا وسيراليون.

خلال الجلسة الافتتاحية، بدأ التجمع بتلاوة بعضٍ من آيات القرآن الكريم ألقاها كافومبا م. كومالي من معهد العلوم والبحوث الإسلامية، غينيا. في كلمته الترحيبية، أشار عميد كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية، بجامعة ليبيريا، البروفيسور سيكو و. كونيه إلى أن مسلمي ليبيريا يواجهون تحديًا كبيرًا وهو ضرورة إلقاء نظرة أخرى على سياقهم التعليمي. وشدد على أنهم بحاجة إلى تشخيص المشكلات وحثّ المشاركين على التفكير في العقبات التي تعرقل النجاح التعليمي، والاجتماعي، والاقتصادي للمسلمين في ليبيريا. وأشار إلى أن الوحدة بين المسلمين بأسرهم وفي ليبيريا بشكل خاص هي أمر جوهري في المقام الأول. ومع ذلك، شجع البروفيسور كونيه المشاركين ومسلمي ليبيريا عمومًا على العمل الجاد من أجل تعظيم الفوائد التعليمية في مواجهة تحديات وواقع جمهورية ليبيريا. وفي النهاية، أوعز للمشاركين بفتح قلوبهم وجني ثمار نشاطات المعهد العالمي للفكر الإسلامي في بلدان أخرى.

وأكد الشيخ علي كرايي الإمام الأعلى في ليبيريا، في ملاحظاته الموجزة، على الغرض من خلق البشر وحياتهم على الأرض، وهو عبادة الله. وحذر من أنه خلال عملية اكتساب المعرفة، على البشر أن لا يسمحوا للعلمانية بعرقلة تطورهم الروحاني وإبعادهم عن ربهم. وأعرب عن غبطته وسعادته بالجهود التي يبذلها المعهد العالمي للفكر الإسلامي في تكامل المعرفة، وقال إن مسلمي ليبيريا على استعداد لاحتضان المشروع بكل إخلاص.

وأعرب مفتي ليبيريا الأعلى وإمام غيرلي ستريت في مونروفيا، الشيخ أبو بكر سوماورو، عن استعداده لقبول مشروع المعهد العالمي للفكر الإسلامي في ليبيريا. ولاحقًا لحديثه، حدد المفتي الأعلى المغزى من المعرفة التي يتمسك بها الإسلام ويجعلها أحد المكونات الأساسية والحتمية في الحياة البشرية. ودعا مسلمي ليبيريا إلى العمل الجاد من أجل إنشاء كلية اللغة العربية في جامعة ليبيريا لتلبية احتياجات المسلمين الليبيريين المتعطشين للعلوم العربية والإسلامية، معربًا عن أسفه لكون المعلمين المسلمين يشكلون أقل من 2٪ من إجمالي القوى العاملة في مجال التعليم في ليبيريا، وطلب المفتي من المعهد العالمي للفكر الإسلامي إنشاء معهد لتدريب المعلمين المسلمين في ليبيريا. 

وكانت الكلمة الأولى بعنوان “نظرة عامة على تكامل المعرفة” من تقديم الدكتور سعيدو أحمد دُكاوا. وكخلفية، روى المتحدث أنه في الوقت الذي كان الغرب يتخبط في الظلمة واضطهاد الفلاسفة والأدباء، كان المفكرون المسلمون مشغولين بترجمة الأعمال اليونانية الغنية، وخلال هذه العملية، تمت إضافة وإدخال أبعاد جديدة إضافة إلى تفكيك وتمحيص الرؤى العالمية الشريرة. هكذا ساعد الفلاسفة المسلمون في الحفاظ على الكنوز الفكرية التي ورثتها البشرية وتطويرها، بما في ذلك الإضافات والاختراعات العديدة التي قام بها المسلمون في مختلف التخصصات، والتي لولاها لبقيَ العالم الغربي في ظلامه.

كما سلط المتحدث مزيدًا من الأضواء على مساهمات المسلمين في الحضارة الإنسانية التي امتدت لعدة قرون. وذكر أنه فقط بعد عصر النهضة، استيقظ الغرب وبدأوا بنقل المعرفة التي ورثها المسلمون، وفي هذه العملية أعادوا ابتكارها لتتناسب مع رؤيتهم للعالم والحقائق القائمة، تمامًا كما نزعوا العنصر الروحي والإلهي. في هذا المنعطف، لمَّح الدكتور دُكاوا إلى أن الجهود المبذولة لإعادة ربط المعرفة بالعنصر الذي فصله الغرب دون تفكير وأدخلوا النظرة العالمية العلمانية هي ما تسمى تكامل المعرفة.

وقدم الدكتور محمد بللو إبراهيم العرض الثاني حول موضوع “نظرية المعرفة الإسلامية والمعرفة الغربية”، وقد تطرق بشكل أساسي إلى كيفية فَهم الإسلام كمجموعة من المعتقدات والطقوس، وكإطار أوسع للحياة، لنظرية المعرفة. أوضح المتحدث أن نظرية المعرفة الإسلامية مثقلة بآفاق لحل المآزق العالمية المعاصرة ومواجهتها. في ضوء الإسلام، أوضح الدكتور بللو أنه قد تم التعامل مع مفهوم نظرية المعرفة بشكل رائع من قبل بعض العلماء والفلاسفة المسلمين المعروفين مثل الغزالي، والرازي، وابن رشد، وابن تيمية، وابن القيم، …إلخ.

في اليوم الثاني، قدم الدكتور سعيدو أحمد دُكاوا والدكتور محمد بللو وإسماعيل هاشم أبو بكر أبحاثهم. كان عرض الدكتور دُكاوا بعنوان “قضايا في الفكر الإسلامي المعاصر”. لقد تتبع السمات الأساسية لنظرية المعرفة الغربية التي تُميزها عن النظرة الإسلامية الفريدة للعالم والعوامل التي تسببت في انطلاق الحضارة الإسلامية إلى مستوى القمة. كما خاض أيضًا الانتكاس التدريجي الذي طرأ على الحضارة الإسلامية وكيف أدى ذلك في نهاية المطاف إلى تشويه النظرة الإسلامية العالمية. وأشار الدكتور دُكاوا إلى أن كلتا النظريتين العالميتين السائدتين -الرأسمالية والشيوعية– قد فشلتا في معالجة المشكلات التي تملأ العالم المعاصر؛ وهو ما يستدعي حتمية تطبيق الحلول الإسلامية.

في الوقت نفسه، ولمعالجة أزمات الفكر التي أصبحت الشغل الشاغل، رأى المتحدث أن الفكر الإسلامي المعاصر نفسه يحتاج إلى إعادة نظر وإعادة تعديل. وبهذه الطريقة، حدد الخطوط العريضة للخطوات التي طرحها الفاروقي ووصفها باعتبارها المنهجيات الأساسية الضرورية التي يمكن من خلالها إصلاح الفكر في الرؤى الإسلامية والتي يمكن من خلالها إنجاز مشروع تكامل المعرفة.

وتم تقديم العرض الثاني المعنون بـ “نحو مفهوم إسلامي للتاريخ: نموذج للتكامل” من قبل إسماعيل هاشم أبو بكر. بدأ المتحدث بطرح الخلفية حيث سلط الضوء على المصدر الإسلامي للمعرفة ووضعه في مواجهة المفهوم الغربي للمعرفة. وأشار إلى أن المفهوم الغربي، بعد أن جرد نفسه من الاعتراف بالوحي باعتباره المصدر الأسمى لاشتقاق المعرفة، غالبًا ما ينتهي به المطاف بإلحاق ضررٍ فكري كبير بالتعليم. باستخدام عينة من محتوى مقرر التاريخ الذي يدرس في إحدى الجامعات النيجيرية، أوضح إسماعيل ضحالة نطاق التاريخ كما يُفهم بالمعنى الغربي، بما في ذلك الفجوات الهائلة التي تتركها التخصصات. وأوضح العرض التقديمي كيف يعمل المفهوم الإسلامي للتاريخ بشكلٍ مُمَنهج على سد تلك الفجوات على نحوٍ متقدم من خلال عرض التاريخ في ثلاث مراحل هي: الحياة ما قبل الأرض، والحياة على كوكب الأرض، والحياة ما بعد الأرض. تشير حياة ما قبل الأرض وفقًا للعرض التقديمي إلى وجود الكون قبل الحياة على الأرض. ويشمل ذلك خلق الأرض والأجرام السماوية الأخرى إلى أن خلق الله النبي آدم واستقر على الأرض. تشير الحياة الأرضية إلى كل ما هو موجود على الأرض، بما في ذلك التاريخ القديم ونهاية الحياة قبل أن تُطوى الأرض أخيرًا. سوف تُفضي حياة ما بعد الأرض إلى أن تجد حالة الوجود البشري نفسها بعد الأرض تبدأ بمرحلة انتقالية من حياة البرزخ حتى وقت بعث الناس يوم الحساب. تتضمن هذه المرحلة من التاريخ كيف ستكون الحياة في الدارين حيث ستقيم البشرية بشكل دائم في نهاية المطاف، حسب درجة إيمانهم وأفعالهم الدنيوية. وأخيرًا، جادل المتحدث بأن الإنسانية لا تملك أي وسيلة للوصول إلى مثل هذه الحقائق المفيدة دون مساعدة الوحي.

وكان العرض التقديمي الثالث، وهو “تطبيق التكامل المعرفي على تخصصات متنوعة”، للدكتور محمد بللو إبراهيم. شدد على أن تكامل المعرفة دائمًا ما يأخذ في الحسبان خصوصيات الموقع والبيئة حيث يتم تنفيذ المشروع. وبشكلٍ أكثر تحديدًا، أوضح أن نهج التكامل المعرفي وتطبيقه يختلفان من مكان إلى آخر، حيث إن محاولة تكامل المعرفة في المناطق ذات الأغلبية المسلمة تختلف بشكل طبيعي عن محاولة القيام بالشيء ذاته في مناطق الأقليات المسلمة. ولخّص الدكتور بللو الطرق التي يمكن اتباعها لتسجيل أقصى قدر ممكن من النجاح في هذا الصدد. ثم ألقى الضوء على أعمال الآباء المؤسسين في المعهد العالمي للفكر الإسلامي في تطبيقهم لمشروع التكامل المعرفي، ويشمل ذلك، الجهود التي بذلها العلماء النيجيريون في هذا المجال فيما بعد. وأكد مجددًا على أن تطبيق التكامل المعرفي يمكن تحقيقه من خلال خطة عمل الفاروقي.

في العرض التقديمي الرابع بعنوان “التعامل مع القرآن والسنة – ديناميكيات القيادة في الإسلام”، ركز الدكتور دُكاوا على الفرائض الإسلامية وعلى المفهوم العام للقيادة. ولخص المواصفات، والمسؤوليات، والواجبات وغيرها من عناصر القيادة في ضوء الأحكام الإسلامية. وأشار المتحدث إلى التحديات التي من المتوقع أن تواجهها القيادة وتتعامل معها وفقًا لذلك. وأخيرًا، كرر التأكيد على أن السلطة (السياسية) ملك لله تعالى وأنه هو من يمنح السلطة للرجال لقيادة إخوانهم من البشر على الأرض. وهكذا يصبح من الواجب على جميع المسلمين دائمًا أن يطيعوا القوانين الإلهية قبل جميع القوانين الأخرى.

وقد اختُتمت الورشة، التي قيل إنها الأولى من نوعها في ليبيريا، بتوزيع الشهادات على كل من المنسقين والمشاركين. بعد ذلك، قام الدكتور أبراهام فوفانا، مسؤول الاتصالات في المعهد العالمي للفكر الإسلامي في ليبيريا، بتقديم الشكر للحضور وأعرب عن تقديره وامتنانه العميقين لمكتب غرب أفريقيا التابع للمعهد العالمي للفكر الإسلامي برئاسة الدكتور بشير س. غالادانسي على تنظيمه ورشة العمل. كما شكر منسقي ورشة العمل على إثرائهم لمسلمي ليبيريا بالرؤى المهمة حول تكامل نظرية المعرفة، والتي كانت ظاهرة جديدة بحتة بالنسبة للعديد من الليبيريين. وشكر الدكتور فوفانا المشاركين على قدومهم من المناطق النائية وما هو أبعد، بمن فيهم أولئك الذين جاءوا من الدول المجاورة مثل غينيا وسيراليون. كما أعرب عن تقديره للفريق الليبيري المنظم لما بذلوه من جهدٍ في إنجاح ورشة العمل بهذا الشكل العظيم. وتمنى للجميع عودة ناجحة وآمنة إلى وجهاتهم المختلفة.

للحصول على مدخلات حول ورشة العمل، طُلب من المشاركين كتابة توقعاتهم في بداية ورشة العمل وتعبئة استمارات التقييم في نهاية الجلسات. كان هذا بالإضافة إلى تخصيص جلستين للعصف الذهني تم تكريسهما لسماع آراء وتجارب المشاركين فيما يتعلق بالمشكلات التي كانت ورشة العمل تهدف إلى معالجتها. تمحورت التوقعات بشكلٍ عام حول تحسين الوعي بالفكر الإسلامي، ونظرية المعرفة، والتكامل، وانتشار المعرفة، والوحدة الإسلامية، والعمل الإسلامي، والتحديات التربوية في العالم الإسلامي، ونشاطات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، والنهوض بالمدارس الإسلامية في ليبيريا. كما أوصوا بإنشاء مكتب للمعهد العالمي للفكر الإسلامي في ليبيريا وتنظيم ورشات عمل مماثلة هناك، بالإضافة إلى زيادة مدة ورشة العمل؛ وتوفير المعهد للمنح الدراسية، وتوفير المزيد من كتب المعهد، وقيام المعهد بإنشاء معهد لتدريب المعلمين المسلمين في ليبيريا؛ وإنشاء منصة لمواصلة تبادل المعرفة.