رسالة عيد الفطر لداتو سيري أنور إبراهيم

رسالة عيد الفطر لداتو سيري أنور إبراهيم

رئيس مجلس أمناء المعهد العالمي للفكر الإسلامي

أود أن أبدأ بالتعبير عن الشعور بالامتنان من أعماق قلبي لأولئك الذين وقفوا على خط المواجهة في جميع أنحاء العالم، ونحن نكافح لاحتواء جائحة كوفيد- 19، من أخصائيي الرعاية الصحية إلى عمال المطاعم وأصحاب الحوانيت. إننا مدينون لكم بدَين لا يُقدّر لمحافظتكم على تماسك المجتمع خلال هذه الأزمة. فلتكن تضحياتكم، ولا سيما خلال شهر الصيام هذا، مثالاً نحتذيه جميعاً.

كما أود الإشادة بموظفي وعلماء المعهد العالمي للفكر الإسلامي الذين ثابروا، أثناء الإغلاق والحجر الصحي والحدّ من حرّية الحركة والتنقل، كي تظل رسالة التربية والتفكير النقدي نصب أعينهم. لقد منحني تنظيمهم الجلسات عن طريق تطبيق زووم والدورات التدريبية عن طريق الإنترنت والمحاضرات العامة عبر الشبكة العنكبوتية، الثقة بأننا، طلاباً ومعلمين، وبالرغم من أن جائحة كوفيد- 19 تتركنا مع قدر كبير من عدم التيقّن بشأن مستقبلنا، سنواصل السير في الدرب نحو الحقيقة والعدالة.

سيكون رمضان هذا فريداً لعصور قادمة.

تجاوز صيامُنا في رمضان هذا الامتناعَ عن الطعام والشراب. فقد وجّه لنا هذا العام دعوة إلى المزيد من الانضباط لتجنب سبل الضلال. كان علينا أن نصوم عن ممارسة حياتنا الطبيعية، عن الذهاب إلى مكاتبنا، عن تنقلاتنا، عن ساحات تجمعاتنا الاجتماعية والروحية، وحتى في بعض الأحيان عن بعضنا بعضاً. هذا الصوم لا يمكن الإفطار عنه بسهولة.

لقد اضطرنا رمضان تحت جائحة كوفيد- 19 إلى مواجهة حالات الفشل المتعاظمة التي تُركت بدون معالجة أمداً طويلا. فقد انكشف الفساد الذي سمحنا له بالتراكم عمّا خلّف من الدمار والبؤس الشديدين.

لقد أخفقنا في سياساتنا الاقتصادية فأدّى ذلك إلى عدم المساواة، وتجاهل الفقراء. لقد فشلنا حينما طـأطأنا رؤوسنا للفساد؛ فسمحنا بتهميش الناس وتدمير البيئة. لقد خذلنا الفقراء واللاجئين والمرضى. كل هذه الإخفاقات جاءت نتيجة لغطرستنا وخذلاننا لإنسانيتنا، والأهم من ذلك لفقداننا القدرة على إظهار الرحمة والتعاطف.

هذه الإخفاقات هي من صنع أيدينا، ولكن هناك أمل. ففي شهر رمضان أنعم الله على البشرية بالقرآن. إننا نصوم هذا الشهر ونحمد الله ونثني عليه لما أسبغه علينا من الهداية. في هذا الشهر نتضامن مع الفقراء، نعاني معهم، ومعهم نسير في طريق التقدم. نسعى إلى أن نسمو بمكانتنا الروحية، ونطهر أنفسنا من التخاذل.

يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الروم: “فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا” (الآية:30).

تأمّل “عيد الفطر”؛ نعم، الاحتفال بإتمام الصيام! ماذا يعني حقيقة؟ ليس الأمر مسألة انغماس وعودة إلى عاداتنا القديمة. فالفطر – من الفطرة – يعني العودة إلى “سجيتنا الأصلية”، إلى “سويّتنا الطبيعية”، إلى “طبيعتنا الفطرية”، و”حالة النقاء والبراءة”. فصبرنا على الصيام يعني تطهير أنفسنا من الملوثات التي أبعدتنا عما أراده الله منّا؛ “الفطر” هو هبة الله لنا: إنسانيتنا النقيّة.

هل يمكننا أن نتحد – بتواضع – لتطوير وعي جديد، ووجدان جديد. فبالعودة إلى الفطرة نستطيع إعادة التفكير في مدى إخلاصنا لقيم الحرية والعدالة والتراحم. بعد هذه التجارب والمحن؛ دعونا ننخرط في مسار هذه الأوقات غير الطبيعية، بإعادة النظر في الأسلوب الذي نعيش به على هذا الكوكب.

ثم، يجب أن نعترف بحقيقة أن إخفاقاتنا ليس مردها فقط إلى الحكومات والقادة، بل إلى الأوساط الأكاديمية والتربية. فالأخلاق والإنسانية قد خسرا أمام المصلحة الدنيوية. وتحويل الحياة إلى سلعة جرّد البشرية من القيم المجتمعية. صرنا نهتم بقيمة عملتنا أكثر من اهتمامنا بإخواننا وأخواتنا.

تكمن الأهمية التاريخية لهذا العيد في رؤية ما سنقوم به من أفعال منذ هذه اللحظة. سنسعى إلى وضع طبيعي جديد، ولكن إذا كان الوضع الجديد تكراراً لنفس الإخفاقات والفساد والغطرسة، فهو – إذاً – ليس وضعاً طبيعياً جديداً، وبالتالي لن نحرز التقدم المنشود. إذا أفطرنا من دون أي تغيير بعد رمضان، فلماذا صمنا أصلا!؟

أطالب المعهد العالمي للفكر الإسلامي بمتابعة عمل الخير الذي تحقق حتى الآن. تعزيز فهم الإسلام، ونشر رسالة الحرية، والعدالة، والتراحم، وبث التوعية. يجب أن نتمسك بإرادة مشتركة لمواجهة ضياع القيم الإنسانية والأخلاقية في مجتمعنا. يجب أن نعمل معاً كي نبني مجتمعات مكرسة لاستعادة الحكمة، لاستعادة القدرة على التصرف بشكل أخلاقي وإنساني في زمن انعدم فيه التيقُّن من المستقبل. علينا أن نتطهر من جهلنا، ونسمو بأرواحنا، وأن نحمد الله على ما وهبنا، وما هدانا إليه.

هذه ليست مهمة سهلة؛ فهناك العديد من الأزمات والاضطرابات مثل جائحة كوفيد- 19 قادمة في الأفق ويمكن أن تقودنا إلى الضلال. لكن، لدي أمل عظيم بأننا معاً – وبالشعور المتجدد بطبيعتنا وإنسانيتنا – سنواصل جهودنا لتحسين حياتنا وحياة جيراننا جميعاً.

 

 

لمشاهدة التهنية باللغة الإنجليزية اضغط هنا